:: الحبيبة مكة :: من الماضي القريب قلعة جياد




أهمية البناء :


نظرا للمكانة السامية التي حظيت بها مكة المكرمة في قلوب المسلمين جميعا، فقد حرص ولاة الأمر في مختلف العصور الإسلامية على حمايتها والدفاع عنها بإقامة العساكر في مكة، وحماية الطـرق والثغور المؤدية إليها. وبناء الأبراج على مداخلها وبناء الأسوار، ثم اختتمت منظومة الدفاع عن مكة المكرمة ببناء ثلاث قلاع على مداخلها الرئيسة، وهي قلعة أجياد وقلعة لعلع وقلعة هندي .

الموقع ودوره الدفاعي :


وصف الحق جل جلاله مكة المكرمة بأنها وادٍ ، ويمتد هذا الوادي من الناحية الشمالية الشرقية ويتجه نحو الجنوب الغربي تقريبا ومازال هذا الوادي يعرف بوادي إبراهيم حتى الوقت الحاضر، وإن تعددت فيه أسماء الأحياء السكنية الموجودة فيه أو المشرفة عليه.

وبطبيعة الحال تحف بهذا الوادي سلسلتان من الجبال كل سلسلة متعددة القمم عُرفت بأسماء مختلفة تتبعها المؤرخون والجغرافيون في الفترات التاريخية المختلفة .





وقد تم بناء القلاع على جبال مكة المكرمة لتحصينها في فترات تاريخية متعاقبة ، وتقع كل من قلعة لعلع وقلعة هندي على السلسلة الجبلية الغربية التي ترتفع فيها عدة قمم عرفت بأسماء مختلفة أطلق عليها جبال مجازا أما من الناحية الجغرافية فهي متصلة اتصالا مباشرا، وأشهر اسم عرفت به هذه السلسة هو جبل قعيقعان، وعلى إحدى قمم هذا الجبل المعروفة باسم (جبل لعلع) أو (جبل اللاسلكي) والواقعة شمال المسجد الحرام بُنيت قلعة لعلع التي يبدو أنها اكتسبت اسمها من اسم هذه القمة فضلا عن ورود اسم لعلع على خارطة عثمانية مؤرخة بسنة 1298هـ، كما عرفت هذه القلعة باسم قلعة فلفل نسبة إلى اسم رئيس البنائين. أما القمة الثانية فهي الهندي الواقعة غرب المسجد الحرام تقريبا، حيث بنيت عليها قلعة هندي التي اكتسب اسمها أيضا من اسم القمة التي بنيت عليها .

وعلى قمة الجبل المطل على المسجد الحرام من الجهة الجنوبية الغربية تقريبا بُنيت قلعة أجياد، التي اكتسبت اسمها أيضا من اسم شعبين كبيرين من شعاب مكة، يأتي أحدهما من الجنوب ويتجه شمالا، والآخر يأتي من الشرق من جبل الأعرف، وتتجمع مياه الشعبين أمام المسجد الحرام من الجهة الجنـوبية وتصب في وادي إبراهيم، وقد اصبحا اليوم مأهولين بأحياء عديدة من أحياء مكة أشهرها: حي أجياد، والمصافي، وبئر بليلة.










ويظهر من خلال العرض السابق أن الدور الدفاعي للقلاع في مكة قد وضع وفق المنظومة التالية :


تحمي قلعة لعلع المدخل الشمالي لمكة المكرمة، وهو مدخل منطقة المعلاة والحجون.

تحمى قلعة هندي المدخل الغربي لمكة المكرمة عند منطقة الشبيكة وحارة الباب.

تحمي قلعة أجياد المدخل الجنوبي لمكة المكرمة عند منطقة المسفلة حيث كان يوجد سور في هذه المنطقة مجاورا لبركة ماجل (ماجن) وهذا الموقع حاليا على بعد بضع أمتار من موقف السيارات في المسفلة. وقد أشار محمد أمين المكي إلى أهميـة القلعة بأنها أنشئت على جبل ارتفاعه 150م في نقطة مهمة جدا تطل على كافة مكة المكرمة والقلاع الأخرى التي توجد فيها .

وعند تطبيق ذلك على الواقع، نجد أننا لو وقفنا على أحد أبراج القلعة ووضعنا حدوداً للنسيج العمراني لمكة في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة، على أساس أن تجمع المباني السكنية لم يتعد منطقة المعلاة وحارة الباب كما هو واضح في الخريطة الملحقة، سيظهر لنا صحة ما ذهب إليه المكي، ويبرز أهميـة الدور الدفاعي الذي كانت تقوم به القلعة، نظرا للموقع المميز الذي نـجح المعمار وصاحب قرار البناء في اتخاذه قبل بناء قلعتي لعلع وهندي.





تاريخ بناء القلعة :

بُنيت سنة 1196هـ بأمر الشريف غالب بن مساعد، وذلك بعد أن أشترى ما هو لها من البيوت، وأنفق في عمارتها مالا كثيرا، ثم نقض بعد سنتين كثيرا من بنائها وأعاده على أحسن إتقان .

ويظهر من خلال الرواية السابقة أن بناء القلعة في المرة الأولى تم على عجل، ولم يؤد ذلك إلى إتقان البناء الذي يفترض فيه أن يعمر مدة طويلة بمشيئة الله، وعند الرجوع إلى الأحداث التي كانت دائرة في ذلك العصر، نجد أنه تزامن مع بناء القلعة عصيان إحدى القبائل وقطعها طريق الطائف، وتحصنهم في الجبال الشامخة ، مما يجعلنا نحتمل أن يكون ذلك من الأسباب التي أدت إلى بناء القلعة بسرعة، خشية أن تتعرض مكة المكرمة إلى هجوم مباغت، لا تستطيع مواجهته، وبعد أن استقرت الأوضاع نقض البناء الضعيف وأعاده بشكل متقن.






وقد استمرت القلعة تؤدي دورها التاريخي في حماية مكة المكرمة من أي اعتداء تتعرض له، إلى أن أشرفت على الخراب، فأعاد بناءها والي الحجاز عثمان نوري باشا سنة 1302هـ، وقد تم العمل على أساس استيعاب القلعة لطابور واحد من الرجالة، والطابور يقدر بنحو 800 شخص هذا فضلا عن استيعاب القلعة لنحو 300 نفر، وانشأ فيها غرفا لعساكر المدفعية، ومستودعاً للأسلحة





قلعة أجياد من خلال روايات المؤرخين والرحالة :


حظيت القلعة بشهرة كبيرة منذ إنشائها، وذلك لكونها في منطقة مهمة من مكة المكرمة، فهي تشرف على المسجد الحرام، وأقام فيها الجنود نحو ما يقرب من 150 سنة للدفاع عن مكة وعن أمنها وبطبيعة الحال لا يمكننا استقصاء كل روايات المؤرخين عنها في هذه العجالة، وإنما نذكر بعض الأمثلة، فقد أشار البتنوني الذي زار مكة عام 1327هـ إلى أهمية هذه القلعة في حماية مكة، وإلى سكن العساكر بها ، وذكر إبراهيم رفعت شعب أجياد بأنه أجمل مواقع مكة لعلوه وسعة طرقه وكثرة بيوته التي يسكنها غالب الموظفين وفي أجياد ميدان لاستعراض العساكر وفيه المطبعة الأميرية ودار للبريد ومركز الصحة وقلعة أجياد على قمة الجبل وقد اخذ لها صورة ضمنها كتابه رسم (65) .











وتحدث عنها السباعي بقوله :
(بلغ من عناية سرور بشؤون الأمن أن بنى سنة 1196هـ في أعلى جبل جياد قلعة أجياد الموجودة اليوم وأنفق أموالا كثيرة في عمارتها القوية لتبقى له حصنا من العاديات وكانت تطل على داره في سفح الجبل) .

وأشار إليها الكردي بقوله : (قلعة أجياد كانت أهم قلاع مكة، وكانت تضرب بها المدافع في رمضان وفي غير رمضان إلى سنة 1360هـ).


المصدر : الدكتور/ عادل نورغباشي
مصدر الصور : أحمد صالح حلبي , معالجة الصور : حسن مكاوي