المسفلة ما لم يؤرخ ( 1 )

لم اكن يوما قاصا أو راويا ، أو مؤرخ يوثق أحداثا مضت ، فما أنا سوى كاتب ينثر كلماته ، عبر زاوية صحفية ضيقة المساحة ، البعض يقبلها بصدر رحب وآخرون ينفرون منها ، ولكل منهم تقديري واحترامي .

وفي يوم ممطر وطقس بارد ، داخل مدينة أوردو التركية ، أراد أخي الاستاذ / حسن مكاوي أن يمنحني من الدفء شيئا فأثار أشجاني ، حول طفولتي وشبابي وذكرني بحي المسفلة الذي نشأت وترعرعت فيه ، فحرك بين أضلعي آهات زمن مضى ، وصحبة غدت ، فتوقفت متذكرا من كان بالأمس قريبا وغدا اليوم بعيدا ، متذكرا لحظات خروجي من المسجد الحرام ، من باب الملك عبدالعزيز ، متجها صوب منزلنا الكائن بالقرب من بستان البخاري ، ومع لحظة خروجي من المسجد الحرام ، يبدو أمامي مطعم وفندق أم القرى ، وفي زاويته يقف العم مصباح الفلسطيني الجنسية بائع  الشاورما على الفحم ، بعد صلاتي المغرب والعشاء ، وأمامي تبدو قهوة السباعي المرتفعة عن الأرض والتي عرفت بقهوة المصريين ، نظرا لأن كثرة روادها من الاخوة المصريين .
وعلى أطراف ذاك الشارع الذي عرف بمسيال الهرساني نسبة للشيخ حامد هرساني ، تنتشر دكاكين تجارية صغيرة في مساحاتها كبيرة في عطائها ، فهذا بقال والآخر صراف والثالث سمسار عقار والرابع بائع مقلية ، الكل منهم يعمل ويتعاون مع من حوله ، لا حسد ولا بغضا بينهم ، وفي المسير صوب المسفلة يظهر على اليسار مركاز العم محمود كالو ـ يرحمه الله ـ وهو مطوف معروف لدى حجاج تونس ، يقضي فترات طويلة بعيدا عن أسرته وكلما هل شهر رمضان المبارك عاد لمكة المكرمة مستعدا لموسم الحج وخدمة حجاجه ، وبعده بأمتار قلائل يظهر مكتب المطوف أحمد عبداللطيف كردي ـ يرحمه الله ـ وكان مطوفا معروفا لدى حجاج المغرب ، ويعرف بالمطوف الأنيق نظرا لأناقة هندامه وجمال مكتبه ، وبعده بخطوات يظهر مركاز المطوف أحمد ذكي عبدالقادر ـ يرحمه الله ـ المعروف بمطوف الأتراك ، وفي زقاق ضيق بالقرب منه يوجد مكتب المطوف عبدالرحمن معلم ـ يرحمه الله ـ ، وخطوة تلو خطوة تقودنا أقدامنا نحو أناس عرفناهم عن قرب وآخرون سمعنا عنهم .

ومن أولئك الذين عرفتهم عن قرب تشرفت بالالتقاء بهم  معالي الدكتور / حامد هرساني ـ يرحمه الله ـ ، وكان شيخا للمطوفين تولى المشيخة بعد وفاة والده ، وحينما عين وزيرا للصحة ، تولى شقيقه عبدالرحمن المشيخة بدلا عنه ، وكان آخر من تولى مشيخة المطوفين قبل الغائها ، وكان هناك شخصان يعملان معه هما مبارك وسعيد وكانا يعرفان بأبناء الهرساني رغم أنهما لم يكونا سوى موظفين لديه. .

وفي الاتجاه جنوبا نتوقف لنجد دكان العم رجب سوبيا ـ يرحمه الله ـ ، والذي لم يكن دكانا للبيع والشراء ، لكنه دكان خصص لقضاء حاجات الناس ، والسعي لإصلاح ذات البين ، ومساعدة الفقراء والمحتاجين من ايتام وأرامل ، وأطلق عليه البعض لقب أبو الأرامل  والايتام ، ومن الصعب أن تجد دكانه يوما مغلقا ،  وكان ـ يرحمه الله ـ  يرفض أن تأتيه امرأة  أو يتيم ولا يكون متواجدا في دكانه .

وأمامه  يقع دكان العم محمد بانده ـ يرحمه الله ـ ، وكان بائع مستلزمات مدرسية ، وبالقرب منهما دكان العم عبدالصمد خضري ـ يرحمه الله ـ  ، وكان تاجر حبوب من عدس وقمح وحنطة اضافة لبعض الادوات الكهربائية البسيطة ، وبينهما دكان العم أحمد نجار ـ يرحمه الله ـ ، الذي تخصص في صناعة وبيع العقل والكوافي على الحجاج .

موضوع خاص بموقع قبلة الدنيا بقلم الاستاذ أحمد صالح حلبي | نشر بتاريخ 1437/2/11هـ