السلطانة مهرماه و حكاية الماء في مكة المكرمة

لقد بذلت السلطانة مهرماه – الابنة الحبيبة و الوحيدة للقانوني – جهدا وافرا طيلة حياتها في بناء المؤسسات الدينية و الاجتماعية , و كأنها كانت في هذا الامر تنافس أهل البر و الخير , وكانت تهدف من خلال هذا السعي الى نيل رضوان الله تعالى و اداراك شفاعة نبيه صلى الله عليه و سلم , وكذلك رغبة منها في القيام بخدمة وطنها الذي تكن له با لا يوصف .

ففي السنوات التي تلت ستينيات القرن السادس عشر تعرضت قناة عين زبيدة بمكة المكرمة الى الفيضانات و العواصف الرملية مما أدى الى عدم استعمالها , و قد بادر شريف مكة المكرمة عام 970 هـ / 1562م الى ارسال خطاب الى عاصمة الدولة العلية , حيث عرض عليه تقريرا حول ذلك الموضوع و اكد على ضرورة إصلاح مثل هذه القنوات , و بناء على هذا الطلب من شريف مكة فقد أمر سليمان القانوني بما يلزم من أجل القيام بعملية الاصلاح , كما امر بحساب التكلفة المالية اللازمة لذلك , كما شكل لجنة تضم قاضي مكة " عبدالقادر ابن علي مغربي " و معه " خير الدين بك " القائم بأعمال جدة .

وقد قام قاضي مكة المكرمة بعمل تقرير عرضه على السلطان سليمان ذكر فيه انه يلزم مبلغ ثلاثين ألف قطعة ذهبية من أجل اصلاح قنوات المياه و ازالة العوائق التي تحول دون ذلك و أيضا من اجل عمل قنوات جديدة للمياه يتم الاعداد لها .

وعندما وصل هذا التقرير الى اسطنبول قررت السلطانة مهرماه ان تتكل بالأمر و لا تحمل ميزانية الدولة اعباء فتبرعت في سبيل هذا الامر بمبلغ خمسين ألف قطعة ذهبية , كما دفعت السلطانة مهرماه مبالغ من النقود الفضية الى دفتر دار مصر القديم " ابراهيم بك " و الذي تم تعيينه ليكون مسؤولا عن تنفيذ الاصلاحات المزمع اجراؤها .

و اسرع ابراهيم بك ببناء فناء مسور من أجل اجراء التعديلات حيث بلغ عدد المهندسين العاملين في هذا المشروع 400 مهندس كما اتسع نطاق العمل باشراك العمال و الخبراء ليصل عدد العاملين في مدة وجيزة الى ما يزيد عن الف شخص .

واستمرت هذه العملية التي بدأت من عام 1563م حتى عام 1573م مدة عشر سنوات بلا انقطاع , و عندما لم يكف الحديد و الصلب الخام الذي جلب من مصر سابقا لأجل البناء فقد طلبت كمية من اسطنبول عام 1568م لإتمام البناء , كما نقلت باقي المواد المطلوبة الى مكة المكرمة عن طريق مصر ومع انتهاء عملية الاصلاح عام 1573م نظم المفتي " الحسيني " حفل افتتاح دعي فيه للدولة العثمانية .

وبعد هذه الجهود التي بذلن فان كمية المياه التي يتم ايصالها الى مكة المكرمة زادت بشكل واضح وذلك بفضل الابار الاخرى التي توصيلها بقناة المياه , كما تم عمل سبل عامة متنوعة في كل مكان من مكة , و أصبحت المياه توزع على الاحياء العديدة بشكل مختلف عما كان سابقاً , وعلى هذا النحو فان هذا الانجاز لم يكن مجرد عملية تجديد و لكنه كان في نفس الوقت عملية احياء و تطوير لقناة عين زبيدة .

ان مجرى الماء الذي انشأته السيدة زبيدة كان بمقدوره ان يأتي بالماء حتى عرفات فقط , لكن هذا المجرى لم يكن بمقدوره ان يوصل الماء الى الاحياء الداخلية بمدينة مكة المكرمة , اما في عهد " سليمان القانوني " فقد امكن ايصال الماء الى مركز مكة المكرمة مخترقا الهضاب الصخرية التي بين مكة و عرفات , وبهذه الصورة الجديدة تكون قناة " عين زبيدة " قد أخذت شكلا جديدا و مختلفا تماما عما سبق .

الموضع مشاركة من حسن عبدالعزيز مكاوي | المصدر بتصرف كتاب  السلطانتان خرم و مهرماه قرينة القانوني و سليلته | نشر الموضع على موقع قبلة الدنيا بتاريخ 1436/6/4هـ .