عثمان نوري باشا وإصلاحاته في مكة المكرمة

 

 

عثمان نوري باشا :  هو ابن أمير آلاي أحمد شكري بيك ولد عام 1256ه/1840م , وتخرج من مدرسة الحربية سنة1279ه/1862م برتبة يوز باشا , وفي عام 1288ه/1871م أصبح بكباشي , وفي عام1292ه/1875م أصبح قائمقام , وفي عام1294ه/1877مترقىلأمير آلاي للمشاة , وفي عام 1298ه/1881م لواء الرديفوقائد الحجاز برتبة فريق , وفي عام 1299ه/1882م أسندت إليه ولاية الحجاز بالإضافة إلى وظيفته السابقة , وفي 1301ه/1883م أصبح مشير , ثم والي حلب في عام 1304ه/1886م, ثم والي اليمن في عام 1305ه/1887م, ثم استقال من ولاية اليمن , وفي عام 1308ه/1890م والي سورية , وفي عام 1309ه/1891م أصبح والياً للحجاز للمرة الثانية , وفي عام 1310ه/ 1892م أصبح والياً لحلب مرة ثانية , وفي عام 1311ه/1893م والياً لسوريه مرة ثانية , وفي عام 1314ه/1896م أنفصل من الوظيفة .

وتوفي في رمضان عام 1316هـ/1898م , ودفن في قروجة أحمد باستانبول .

 

قام الوالي عثمان نوري باشا الذيتولى ولاية الحجاز مرتين بإنشاء وإصلاح العديد من المعالم الأثرية والتاريخية بمكة المكرمة .

وقد تضمن برنامج الوالي عثمان باشا نوري الإنشائي والاصلاحي في مكة المكرمة النواحي التالية :

أولاً : اصلاحاته في المسجد الحرام :

كـان في الطــــرف الشـــــــرقي من الكعبـــــــة المشــــــرفــــــة , ناحيــــــــة باب بئــــــــر زمزم , قبتان وهما قبة السقاية , وقبـــــــة الفـراشيــن, كل واحــده منــهمـــــا تشغـــل مسـاحــــــة ستـــــــة أمتــار مربعــــــة , وفي عام 1262ه/1846م تم تحــويل أحدهمـــا إلى مكتبــــــــة باســـــــم المكتبــة المجيــديــة , والأخرى إلى دار توقيت , وقد كانتا هاتين القبتين تشغلان مساحـــة كبيرة من الحـرم الشريف , فتحرمان آلاف المصلين عند باب عليوباب عباس , من رؤيــة الكعبـــة المشرفة . كما كان ماء السيل يُتلف الكتب القيمة الموجودة بالمكتبـــــــــة .

فصدرت فتوى في عـــــــــام 1299ه/1882م بضرورة هـدم القبتين المذكورتين , فصـــــــدر الأمـــــــر السلطاني إلى عثمـــــــــــان نوري باشــــــــــــا والي الحجازبهدمهمــا , فقام بنقل المكتبة– مكتبة المسجـد الحـرام - إلى المدارس السليمانية , وبنى داراًللتوقيت بجانب منارة باب علي والتي عُرفت( بموقت خانه ) ووضعت فيها الساعات الموقوفة لمواقيت المسجد الحرام , ثم قام بهدمهما– القبتان - وفرش مكانهما بالرمال , فتوسعت ساحة الحرم الشريف , وأصبحت رؤية الكعبة المشرفة واضحة لمن يكون بالرواق الشرقي من ناحية باب العباس , وباب علي .

وفي عام 1300ه/1883م صدر الأمر السلطاني للوالي عثمان نوري بترميم أعمدة الرخام الستة الواقعة ناحية المدرسة الداودية , فقام بترميمها على أكمل وجه . كما قام بتجديد بعض القباب الواقعة أمام باب علي, وإصلاح كل الأرصفة التي تحت القباب.

كمـــــا صدر الأمر السلطاني في عام 1300ه/1883م إلى عثمان نوري باشا بنقل المقام الحنبليمن مكانه في مواجهة الحجر الأسود , ووضعه بجانب المقام الحنفي , وترميم ما يلزم ترميمه في المسجد الحرام , وطلاء وتزيين الأماكن التي أسفل القباب .

وفي سنة 1301ه/1884م جاء عثمان نوري باشا بساعتين كبيرتين, يبلغ طول الواحدة منهما نحو مترين , ووضعهما في دار التوقيت مع الساعات المنقولة من المسجد الحرام.

ثانياً : الأماكن الأثرية في مكة المكرمة
 بموجب أمر سلطاني صادر إلى عثمان نوري باشا عام 1300ه/1883م , تم تجديد منزل السيدة أمنة بنت وهب والدة الرسول محمد , وزخرفته وطلاؤه بالطلاء الفخم الذي يليق به , وتغطية نوافذه بستائر فخمة من الديباج الأخضر .

كما قام عثمان نوري باشا بتنفيذ الأمر الصادر إليه بترميم بيوت أمراء المؤمنين , أبوبكر الصديق , وعمر بن الخطاب , وعثمان بن عفان , وعلي بن أبي طالب , ودار السيدة خديجة بنت خويلد , ودار فاطمة الزهراء , ودار حمزة بن عبد المطلب  , والعباس بن عبد المطلب .

كما قام بإصلاح الطريق المؤدي إلى غار ثور في جبل ثور وجعله على هيئة سلالم .

ثالثاً : المياه في مكة المكرمة .

كما أسندت مهمة عمل الانشاءات الهندسية لقنوات ماء عين زبيدةإلى "لجنة الانشاءات " برئاسة عثمان نوري باشا , وقد قدمت اللجنة المذكورة جهوداً عظيمة في عمل انشاءات قوية راسخة تصمد لعدة قرون .. واشتغل في تنفيذها ما يزيد عن ثلاثة آلاف عامل , واصلوا العمل ليل نهار لمدة أربع سنوات . وبدأ العمل من وادي النعمان حيث مجرى ماء عين زبيدة .

كما قامت اللجنة بإنشاء ثمانية عشر خزاناً ضخماً للمياه , وعين لسد احتياجات أحياء مكة المكرمة .

وكذلك إنشاء عيون ماء في المنطقة المحيطة بالحرم الشريف وتزويدها بصنابير متعددة , ليتوضأ حجاج المسلمين منها , كذلك توصيل مواسير المياه إلى مستشفى الغرباء والفقراء والمؤسسات الخيرية السلطانية , ومقر الحكومة , ومعسكر المدفعية , والمطبعة , ومكتب البرق , والمخبز العسكري , وأقسام الشرطة , والحمامات .

كما قام الوالي عثمان نوري باشا أيام ولايته الثانية للحجاز عام 1309ه/1891م بعمل صيانة لمجرى عين زبيدة , وأضاف إليها خزانات مياه ليسهل على الناس الحصول على الماء العذب .

رابعاً : المشاعر المقدسة

 

 


1. إنشاء إدارة صحية في منى , ومستشفى يتسع لأربعين سريراً , وصيدلية , وذلك في عام 1300ه/1883م .

2. قام عثمان نوري باشا بتوصيل ماء عين زبيدة من وادي المفجر إلى قصبة منى الواقعة فوق الجبل على ارتفاع 300م , ورفع الماء إليها بواسطة ماكنتين بخاريتين . كما تم إنشاء خزانيين كبيرين للماء عام 1301ه/1884م.

3. في عام 1303ه/1886م قام عثمان نوري باشا بتطهير وتعمير كل أحواض الماء في عرفات.

4. عمل بازاناً عند مسجد الخيف .

خامساً : العمارة المدنية

دار الحميدية
أنشأ الوالي عثمان نوري باشا عام 1302ه/1885م مقراً للحكومة العثمانية في مكة المكرمة في الساحة الأميرية أمام باب الوداعبجانب التكية المصرية مقابل الحرم المكي الشريف . وكان هذا البناء فخماً محكماً لا نظير له في سائر الولايات العثمانية , وقد بُنِيَ ليكون نموذجاً مصغراً من مقر القيادة العسكرية في استانبول.

وضم الطابق العلوي منها عدداً من الدوائر الحكومية ومرافقها , وإدارة الحرم الشريف , ودوائر الفرقة السلطانية .

وأطلق على هذا الطابق الحميدية نسبة للسلطان العثماني في ذلك الوقت عبد الحميد الثاني.

وفي الدور الأرضي منه مقراً للجند النظامية , وأخرى للشرطة , وإدارة للأوقاف , وكذا للمعارف , وكتابة العدل , والمحكمة المستعجلة. 

وقد أنفق على هذا المقر الحكومي 12 ألف ليرةعثمانية, وفي الوقت ذاته صدر أمر سلطاني بأن تجلب جميع المفروشات اللازمة لهذا المبنى من الهند هدية من السلطان عبد الحميد الثاني.

وقد ازيلت الحميدية في التوسعة السعوديــة الأولى للمسجد الحرام عام 1375ه/1957م.

وبموجب الأمر الصادر من السلطان عبد الحميد الثاني قام عثمان نوري باشا بتنفيذ المباني والأعمال التالية :

1. إنشاء مطبعة الولاية : تعتبر أول مطبعة أسست في الحجاز , هي المطبعة الأميرية , وسميت بعد ذلك مطبعة الحكومة .

أنشأها عثمان نوري باشا عام 1300ه/1882م وكانت مقابلة لمبنى الحميدية من الناحية الجنوبية . وصدر الأمر بإنشائها من الحجر على طابقين , وقد ضمت ثلاث ماكينات طباعة بالحروف العربية والتركية والفارسية والهندية , ولغة أهل جاوه , وذلك لطبع كل أنواع الكتب الدينية وغير الدينية , وإرسالها إلى كل البلاد الإسلامية .

وبعد عام من بنائها طبع بها تقويم الحجاز السنوي باللغة العربية والتركية.

2. تأسيس وافتتاح مدرسة إعدادية في كل من مكة المكرمة وجدة والطائف وينبع البحر .

3. شيد عثمان باشا داراً للبرق والبريد في زمن ولايته الأولى عام 1300ه/1882م تتكون من طابقين وتقع أمام مقر الحكومة العثمانية.

4. إنشاء خطوط برق سواكن , وأخرى من جدة إلى مكة المكرمة والطائف .

5. وأسس أيضاً عثمان نوري باشا في بداية ولايته على مكة دائرة للصحة في حي أجياد .

6. كما قام عثمان نوري باشا بإنشاء بستاناً بهجة للناظرين في جرول , فيه من الأشجار أجملها ومن الثمار أطيبها وأصبح متنزهاً لأهل مكة المكرمة يتنزهون فيه ويستظلون بوارف ظله , وكان أول ما أنشئ بمكة المكرمة من المتنزهات .

7. كما أصدر عثمان نوري باشا أول صحيفة في الحجاز وسميت "صحيفة حجاز"  وكانت في مكةالمكرمة بتاريخ8/10/1326هـ /3/11/1908م .

سادساً : القلاع العسكرية
لم يقتصر اهتمام الوالي عثمان نوري باشا بالعمارة المدنية فحسب بل امتد للعمارة العسكرية باعتبار أنها السور الواقي الذي يحمي البلد الحرام من التدمير والخراب . ومن تلك الأعمال ما يلي :
1. إنشاء (معسكر الغيره السلطاني ) عام 1300ه/1882م فوق جبل هندي , ويتسع لطابور من العساكر السلطانية.

2. أنشأ مخفر للعسكر السلطانية ( كركول) يتسع لأربعين شخصاً في الصفا , وقد أزيل هذا المبنى في التوسعة السعودية الأولى للمسجد الحرام.

3.  قام في عام 1301ه/1883م ببناء معسكر من طابقين في منطقة أجياد وألحق به اسطبل , وعنابر للبطاريات , وحديقة وعين ماء , يتسع لمائتين من عساكر المدفعية السلطانية المتنقلة .

4. قلعة أجياد المشهورة بمكة المكرمة والتي تقع فوق ربوة واسعة على ارتفاع 150م , وتكمن أهمية موقعها في إشرافها على بقية القلاع العسكرية العثمانية وعلى البلد الحرام.

فقد أوشكت على الخراب بفعل مرور الزمن , لذا قام الوالي عثمان نوري باشا بهدمها , وأعاد بناءها عام 1301هـ/1883م ، وقد تم العمل على أساس استيعاب القلعة لطابور واحد من الرجال يقدرون بنحو 800 شخص ، هذا فضلاً عن استيعابها لنحو 300 شخص ، وقد أنشأ فيها غرفاً لعساكر المدفعية ومستودعاً للأسلحة .

وقد حظيت القلعة بشهرة كبيرة منذ إنشائها ،لأنها تقع في منطقة مهمة من المدينة المقدسة.

5. وفي عام 1303ه/1885م أنشأ معسكر سلطاني في وادي أجياد بمكة المكرمة يتسع لطابورين من الجند.

6. كمـــا قام بتـــحويل قلعـــة فلــفل الواقعــــة على جـــبل لعلع في حي الفلق , إلى مستشفى عسكري.

المصدر : مجلة كلية الآداب , جامعة الزقازيق , العدد 65 , ربيع 2013م  | بقلم : سحر بنت علي محمد دعدع | معالجة الصور : موقع قبلة الدنيا | نشر على موقع قبلة الدنيا في 1436/4/1هـ